الشيخ محمد رشيد رضا
182
الوحي المحمدي
ومما جاء فيه البرهان بلفظ السلطان قوله تعالى : الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 35 ] ، وفي معناها من هذه [ السورة ، الآية : 56 ] : إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ ، وفي عدة سور أخرى أنه تعالى أرسل موسى إلى فرعون بآياته ( وسلطان مبين ) . 5 - الإسلام دين القلب والوجدان والضمير : قال الفيومي في المصباح : ضمير الإنسان قلبه وباطنه والجمع ضمائر ، وقال : والقلب من الفؤاد معروف - يعنى أنه ضميره ووجدانه الباطل ( قال ) : ويطلق على العقل أ . ه وقد شرحنا معناه هذا وطرق استعماله في تفسير آية الأعراف « 1 » ، وقد ذكر القلب في القرآن الكريم في مائة آية وبضع عشرة آية . منها قوله تعالى في سورة [ ق ، الآية : 37 ] : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ، وقوله في سورة ا [ لشعراء ، الآية : 88 ، 89 ] : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، ومنها مدحه لخليله إبراهيم عليه السلام بقوله : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، قوله حكاية عنه : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] ، وقوله في صفة المؤمنين : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] ، وقوله في صفات الذين اتبعوا عيسى عليه السلام : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها « 2 » إلخ . ووصف قلوب المؤمنين بالخشوع والإخبات للّه وتمحيصها من الشوائب ، وقلوب الكفار والمنافقين بالرجس والمرض والقسوة والزّيغ ، وعبر عن فقدها للاستعداد للحق والخير بالطبع والختم والرين عليها ، أي أنها كالمختوم المطبوع عليه فلا يدخله شئ جديد ، أو كالمعدن أحاط به وغلب عليه الرين وهو الصدأ أو الدنس فلا تقبل الصقل والجلاء . وإذا كان الإسلام دين العقل والبرهان وحرية الضمير والوجدان ، فقد أبطل ما كان عليه النصارى وغيرهم من الإكراه في الدين والإجبار عليه ، والفتنة والاضطهاد لمخالفيهم فيه ، والآيات في ذلك كثيرة بيناها في محلها ، ومن دلائلها ذم القرآن للتقليد وتضليل أهله .
--> ( 1 ) راجع ص 419 من الجزء التاسع - تفسير المنار . ( 2 ) الاطمئنان ما يعبر عنه براحة الضمير في الاعتقاد ، والثابت بالأدلة النظرية بحيث يكون وجدانا كالوجدان في انشراح الصدر له وعدم احتمال غيره .